السيد حسن القبانچي
196
مسند الإمام علي ( ع )
الأصل الحكيم أن الله تبارك وتعالى كان قديماً قبل خلق العرش ، وكان على صخرة بيت المقدس في الهواء ، فلما أراد أن يخلق عرشه تفل تفلة كانت منها البحار الغامرة واللجج الدائرة فهناك خلق عرشه من بعض الصخرة التي كانت تحته ، وآخر ما بقي منها لمسجد قدسه . قال ابن عباس : وكان علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) حاضراً . فعظم علي ربه وقام على قدميه ونفض ثيابه ، فأقسم عليه عمر لما عاد إلى مجلسه ففعله ، قال عمر : غص علينا ياغواص ، ما تقول يا أبو الحسن ؟ فما علمتك إلاّ مفرجاً للغم ، فالتفت علي ( عليه السلام ) إلى كعب فقال : غلط أصحابك وحرّفوا كتب الله وفتحوا الفرية عليه ، يا كعب ويحك إن الصخرة التي زعمت لا تحوي جلاله ولا تسع عظمته ، والهواء الذي ذكرت لا يجوز أقطاره ، ولو كانت الصخرة والهواء قديمين معه لكانت لهما قدمته ، وعزّ الله وجلّ أن يقال : له مكان يؤمى اليه ، والله ليس كما يقول الملحدون ولا كما يظن الجاهلون ، ولكن كان ولا مكان بحيث لا تبلغه الأذهان ، وقولي كان ، محدث كونه وهو مما علّم من البيان ، يقول الله عزّ وجلّ : { خَلَقَ الانْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ } ( 1 ) فقولي له : كان ، مما علّمني البيان لأنطق بحجية وعظمته المنّان ، ولم يزل ربنا مقتدراً على ما يشاء محيطاً بكل الأشياء ، ثم كوّن ما أراد بلا فكرة حادثة أصاب ، ولا شبهة دخلت عليه فيما أراد ، وأنه عزّ وجلّ خلق نوراً ابتدعه من غير شيء ، ثم خلق منه ظلمة وكان قديراً أن يخلق الظلمة لا من شيء كما خلق النور من غير شيء ، ثم خلق من الظلمة نوراً وخلق من النور ياقوتة غلظها كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين ، ثم زجر الياقوتة فماعت لهيبته فصارت ماءً مرتعداً ولا يزال مرتعداً إلى يوم القيامة ، ثم خلق عرشه من نوره وجعله على الماء ، وللعرش عشرة آلاف لسان يسبح الله كل لسان منها بعشرة آلاف لغة ليس
--> ( 1 ) - الرحمن : 3 ، 4 .